أحمد ياسوف
186
دراسات فنيه في القرآن الكريم
وقد صوّر القرآن الكريم حال المنافقين ، فاختار لقلقهم وفزعهم فعل « مشوا » في قوله عز وجل : كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ [ البقرة : 20 ] ، وهنا تختلف الحال النفسية عن حال الكفرة في سورة ص ، مع ذلك فالمشي مناسب ، لأن هؤلاء يطلبون الخلاص مما يفزعهم ، فيقعدهم البرق والرعد بالإضاءة السريعة والصوت القوي ، فيضع حدا لسرعتهم ، أما المشي في الآية السابقة فهو دليل اطمئنان وارتياح نتيجة عناد . فهنا المشي مشوب بالخوف من ثورة الطبيعة المسخرة ، حيث شدة الظلام وكثافة المطر والبرق الذي يكاد يخطف الأبصار ، وفي هذا يقول أبو السعود العمادي : « خطوات يسيرة مع خوف أن يخطف أبصارهم ، وإيثار المشي على ما فوقه من السعي والغدوّ للإشعار بعدم استطاعتهم لهما » « 1 » . ويمكن أن نؤكد هنا أن سياق القرآن الكريم يبين أن الإيمان حال ثبات الحقيقة والفطرة ، وأن الكفر حال حركة فوضوية ، كما تقول الآية الكريمة : فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ [ آل عمران : 63 ] ، فإن كلمة « تولوا » في هذه الآية وآيات أخرى تؤكد أن الكفر نفور مما هو ثابت ، ومخالفة للنمطي المعهود . ومن مفردات تصوير البطء والحركة الانسيابية الرشيقة ما جاء في قوله تعالى : وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسارِبٌ بِالنَّهارِ [ الرعد : 10 ] ، وقد تأمل الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي جمال الحركة في « سارب » من خلال اللجوء إلى الأصل اللغوي ، ف « سارب » تعبر عن الوضوح والمسير الهادف المناسب ، وهو يقول : « سارب بالنهار كلمة تصور لك الشيء إذ يسرب على وجه الأرض بارزا ، فأنت تقول : سرب الماء ،
--> ( 1 ) إرشاد العقل السليم : 1 / 55 .